8/26/2012

كلام فارغْ .






إني أحاول أن أكثف إنشغالي بأي شيء عدا نفسي والآخرين . تصور , أنني عالقة مابين نفسي والعالم . أقف في العدم , في اللاشيء . وأستمر في خدش الهواء . كأنني آخذ بثأري بهذه الطريقة . كأنني أسترد روحي الضائعة . بالرغم من أنني أدرك ألا شيء من ذلك سيحدث , لكنني فقط بكامل امتعاضي أكرر ذلك , مرةً تلو الأخرى . إنني متعبة , قواي بدأت تخور تدريجيا . لكنني أيضًا مازلت لاأريد أن أتكئ على أحد . إنني أفضل أن أسقط ويتمرغ وجهي بالتراب , على أن أتكئ على أحد . ثم في وقت ما ينسحب هذا الأحد , ويسقط جسدي , بعدما اعتاد الاتكاء . حين أسقط لوحدي , سوف يكون بمقدوري أن أنهض مجددا , لأن الألم صارة عادةً . لكن حين يتركني شخص ما للسقوط , تظن أنه من السهل أن أقف؟ تصور أن الذي اعتاد الوقوف بواسطة الآخرين , تخلى عنه هؤلاء الآخرين . هل سيظل متكئا على الهواء طويلا ؟

أعرف أنت لا تسمعني , أعرف أنك منشغلٌ بنفسك والعالم - على عكسي - , لكنني فقط أرغب بقول ذلك -هكذا- بلا سبب  .



8/04/2012

الشخص الآخر الذي لبسته .







VI

أنا الآن
مجوف من الداخل
كقارب خشبيّ
تالف ومليئ بالثقوب
و الطعنات
.. والخدوش
حتى صارت الأشياء
تتسرب تدريجيًا
منه .
ولم يعد صالحًا
لعبور ضفتين .


V

مسالم
ووديع جدًا
بشكل غريب
حتى أنني حين أرى
هدوء ملامحي في المرآة
يزداد يقيني
بأنني صرت شخصًا
آخر !
وشخصٌ آخر
صار أنا .
لبِستُه ولبِسَني .


IV

قلق و مرتاب
.. بشكل مستمر
كعقارب الساعة
المضروبة في الحائط
أعلى المرآة
وبجانب خزانة ملابسي
تمامًا ..
والتي تزعجني دائمًا
تكّاتها - تك تك تك - .


III

خائب , خائر
ومخذول
من رأسي حتى
أخمص قدميّ ..
من علاقاتي
التي ما إن أبدأها
حتى ينتهي
تاريخ صلاحيتها فورًا
وتفسد
- هكذا ببساطة -
كقوارير الحليب الطازج .

II

مزاجي فاسد جدًا
هذا المساء
و أحاول أن أتجنبه
قدر إمكاني ..

تركته معلقًا على
مشجب ثيابي
في زاوية الحجرة
حتى أكمل كوني شخصًا آخر
ويستمر هذا الهدوء
ويرتاح حائط الحجرة
لمرة واحدة من
ركلاتي .


I

أفهم أنني وحيد
الآن تمامًا
ولا أحتاج أن أفتش
في سجل الهاتف
لأدرك وحدتي
حين أجده فارغًا
إلا من رقم اتصل بالخطأ عليّ
كانت غلطة عمره ..

وأفهم جيدًا محاولاتي
في التغلب على هذه الوحدة
حين أذهب إلى فراشي
وأنام
لأقابل أصدقائي
الوهميين .

رأس مشوش .





 "الحياة مخيفة" هكذا همست لنفسي وأنا أخرج من بوابة المول . كانت أضواء السيارات والمباني التي تنتصب أمامي مزعجة وتشعرني بالغثيان . حاولت بإجهاد أن ألمح وجه السائق . أشرت له بيدي , اتجهنا أنا وأمي إلى السيارة . كان رأسي مشوشًا جدًا وانتابتني رغبة في خلعه وإلقاءه من النافذة . هكذا أردت في تلك اللحظة . تماسكت , وبصعوبة كنت أواري كل هذا الإجهاد عن والدتي . وصلنا إلى المنزل . فتحت باب حجرتي , لا جديد . ثلاث علب ماء بلاستيكية فارغة تستقبلني بإهمال على المكتب . اللحاف على سريري يزحف باتجاه الأرض بعد معركة أحدثتها وأنا نائمة . الإناء الزجاجي الذي يصل الماء إلى منتصفه . والزهور التي بداخله , لاأستطيع أن أسميها زهورًا لأنها تحولت إلى شيء لايشبه الزهور مطلقًا , صفراء ومتيبسة . استلقيت بإجهاد على فراشي . لم أفكر في إصلاحه أو رفع اللحاف المسكين وهو يتدلى للأسفل . حاولت أن أسترجع وجه الطفل . البريق في عينيه , ابتسامته الشغوفه بالحياة . وفكرت , يا الله كيف هي الحياة بعينيه ؟ واسعة , جميلة , مزركشة . مثلما كنت أنظر إليها . تمنيت في تلك اللحظة فقط أن أعود طفلة . تمنيت بشدة والله . لأن الحياة كالفساتين , تضيق كلما نكبر . تلمست قلبي , شعرت بخواء هائل في الداخل . مددت يدي للداخل وشعرت بها تغور بعيدًا . وبصعوبة حاولت استعادتها من جراحه الغائرة , حمراءَ بلون الدم . لم أبكِ , لكنني شعرت بالخوف . أجل هكذا شعرت . ثم حاولت -كما أفعل دائما- أن أشيح بوجهي عن قلبي . لأنه من المخيف أن تدرك وحدتك كل مرة . أعرف أنني اخترت الوحدة بإرادتي , ولست ساخطة . لكنني منهكة من نفسي فقط . والبارحة تمنيت لو أنطوي على نفسي مرات عديدة مثل ورقة , ترعبني فكرة أن يقتحم أحدهم حياتي . ترعبني جدًا . ولكن جزء ما في داخلي كان يتمنى أن يخرج للعالم . لا , أن يخرجه أحد ما إلى العالم ويفتح طياته . ياللتافهة ..


 - حسنًا وبدون أن تخبرني أيها القارئ أدرك كم أنا متناقضة , فقط تجاوز هذا النص لوجه الله كأنك لم تقرأه .

ظل يطرق النافذة .




كان البكاء عالقًا في حلقي مثل شوكة . الأرض تدور من تحتي . أحاول أن أمشي بخطى ثابتة إلى الحجرة دون أن أترنح . كان رأسي مثقلا بالماء . وأحس بثقله كاملا يتجمع بالجانب الأيمن حين أفقد القدرة على موازنة رأسي . كنت زرقاء ووحيدة كبالون يرتج بالبكاء . يتدحرج حزنًا , وليس بمقدوره الطيران في الهواء . دخلت إلى الحجرة , أطفأت الأضواء الثلاثة . اتجهت إلى السرير وتكورت على نفسي مثل جنين . كشكل من أشكال رغبتي في العودة إلى رحم أمي الدافئ . كانت الوحدة مثل إبرة لاتفتأ عن وخزي . كان وخزها فوق احتمالي , حتى انبجست بالبكاء دفعة واحدة داخل رحم العتمة البارد . كانت شفتاي ترتجفان ووجهي يفيض بالدموع , حتى لمحت نجمة صغيرة تنطفئ بالخارج . وشجرة برتقال تمد أحد أغصانها وتطرق زجاج نافذتي وتهمس إلي : لا تبكي فيخفت ضوء العالم . ثم هدأت , هدأت تمامًا كما لو أن همسها كان يمسح على قلبي . نهضت مثقلة لأفتح النافذة , أريد أن أصافح شجرة البرتقال الطيبة . وجدت الرياح الباردة تصفق باب النافذة بوجهي . ولا نجم ولا غصن ولا شجرة , ولا شيء سوى الظلال التي تأخذ شكل أوهامي .


10:00

الحياة في الخارج .




الفضاء واسع . الحياة في الخارج مضيئة و مغرية . النوافذ على امتداد الحائط مشرعة وكأنها تحرضه على الهرب .

صديقه السنونو يناديه من على النافذة "الآن فرصتك" . كان يرقبه ببرود وبيعينين منطفئتين أجابه : الحياة التي كنت أتوق إليها بشغف لم تعد الآن تغريني . أدار صديقه ظهره بيأس وعاود التحليق . بسط جناحيه داخل القفص حاول أن يخطو خطوة , خطوتين . اقترب من الباب ثم ارتعش . تربكه فكرة الحرية . تربكه فكرة الخروج من دائرة القفص الضيقة إلى سعة الحياة . وترعبه فكرة نسيانه للطيران . وللون الشمس والأزهار ونفحات الهواء في الخارج . الخارج الذي كان يحلم به دائما أثناء منامه واستيقاظه ثم يصطدم بالقضبان مرة ومرتين وثلاث وكأن بمقدوره تهشيمها . والآن بكل مافيه من يأس وهو يرى الباب مفتوحًا أمامه لم يحاول أن يخطو إليه. النوافذ تترقب خروجه بشغف . الستائر تتمايل مع الهواء بسعادة . وبعينيه الصغيرتين كان يرمق ذلك ويمشط أرجاء الغرفة بنظراته . تراجع إلى الوراء خطوة , خطوتين . أغمض عينيه ونام متجاهلا الحياة التي تنتظره في الخارج .

حين عاد سجانه , تذكر أنه نسي الباب مفتوحًا ثم أغلقه بإحكام فحزنت النوافذ .

خفيفًا كريشة .






كان الفرح يشعره بالخفّه
وكنت أراه
خفيفًا جدًا ,
كريشة تعوم في الهواء
خفيفًا جدًا ,
وأحس بأنه لفرط خفته
لن يهبط ..
لكن جاذبية الحزن
تشده دائما
للأسفل .

حكاية الباب الخشبي .






كان الباب الخشبي مفتوحًا على مصراعيه
ينتظر أن تمر من خلاله خطوات أحد
وحين صار موصدًا, كف وحيدة حاولت أن تطرقه
.. ثم تلاشت .
سواء كان مفتوحًا أو مغلقًا أو مخلوعًا,
لايثير اهتمام أحد
والدخول إليه مضيعَة للخطوات .

ثرثرة في منتصف الليل , لاتهم أحدًا .





لاشيء الآن . سوى صوت المكيف وهواءه البارد الذي يلفح وجهي, أجلس على السرير مستندةً إلى الجدار . و لاأعرف حتى الآن ماسر ارتباطي الوثيق بالزوايا والجدران . لقد اعتدت أن يكون سريري بجانب الجدار ومقعدي في المدرسة بجانب الجدار أيضًا . كنت أختار قطعة الكعك التي تكون في الزاوية ملتصقة بجدار القالب . كنت أرفض أن آكل سواها . وأوبّخ دائما بسبب ذلك . أنا الآن التحف بالغطاء وأشعر بالبرد يسري في أطرافي, تلحفت جيدًا . لكن شيء في داخلي يرتعش ويتقرفص وحيدا على نفسه, يعد أسماء الأصدقاء والمقاعد الفارغة . يضحك بسخرية على حماقته ثم يبكي طويلا ولا ينام جيدا في الليل . قلبي مكتظ بشيء أجهله, بحكايا لم أسردها بعد . بحزن غامض ينخره حتى آخره . قلبي يبرد رويدًا رويدًا, حتى تحول إلى قطعة جليد . وفقد قدرته على الأحساس بالأشياء والأشخاص, وحتى نفسه. لقد اعتزل الجميع ليس لأنه يكرههم بل خوفا من أن يؤذي أحدا . لكنه في كلا الحالتين كان يؤذيهم, جدا .


 صرت ضعيفة وأتهرب كثيرًا . أدفن رأسي في شاشة اللاب توب أو داخل كتاب , وأتحاشى الحياة والتفكير فيها . أتحاشى الذاكرة التي تحمل صور الذين رحلوا . أتحاشى حزن أمي . وأتحاشى كل الحقائق التي لاتجلب سوى الألم . صرت أكتب كثيرًا في ذروة ألمي, لأن الكتابة تمنحني أجنحة ترفعني من قاع الألم . لكن هذه المنحة مؤقتة, ترفعني مؤقتا ثم تتلاشى وتتركني أواجه سقوطي . أنا أكتب الآن, وأحس بأنني أحترق كعود ثقاب . أكتب وأحس بأن الألم بعيد جدا وأنني وأنا هنا في الأعلى ترفعني هذه الأجنحة . كعود ثقاب عالق في الهواء, لايتوقف عن الاحتراق. ثم يتساقط رمادا . أنا أكتب وأعرف أن ماأكتبه الآن ممل وسخيف . لكنني أنشره الآن أمام وجوه المارّه وكأنني أغيض نفسي و أقول لها : هذه ضريبة الكتابة .

حياة أخرى .



أنا أقرأ . هذه طريقتي في تجاهل صخب الحياة وضوضائها . أقرأ وأمنح نفسي حياة هادئة لطيفة داخل كتاب . أقرأ وأحس بأن الكتب أصدقائي الذين ينامون بجانب رأسي دائما . أصدقائي الذين أينما مددت يدي أجدهم . 

الحقيقة التي لم تبصرها .







تحدّث فحسب. أنا أسمعك. تشعر بأن الحياة تركلك خارج إطارها؟ تدرجك في قائمة المنفيين من الحياة؟ لكنني منذ رأيتك وأنا أشعر بأنك لم تكن داخل الحياة بالأصل، كنت طوال الوقت منفيا . قد أجرحك! ولكنها الحقيقة.  الحقيقة التي لم تبصرها أنت ، وأبصرتها في عينيك المنطفئة ، تلمّستها في تضاريس وجهك البائسة ، في انكسار صوتك وبحّته، لكنك كنت تمتلك كفًا دافئة لاأعرف كيف تسربت الحياة إليها .

8/03/2012

أجوبة الغياب .






تغيب
لأنه ليس ثمة قلب
في هذا العالم
تعود إليه .

تغيب
لأن جيوب الانتظار
شاغرة
لايملأها أحد .

تغيب
لأنك لا تدرك معنى الحضور
وجميع الوجوه
حولك
تتلاشى كفقاعة .

تغيب
لأنك مفلس
من جميع صداقاتك
تغيب
وتفتش عن خيبة أخرى
تملأ هذا الخواء .


تغيب
وتقطف من عناقيد الغياب
قصيدة
ونص نثريّ
وتنهيدة .


خائف؟
لأنك متيقن
أنه عند نقطة ما
سوف يتوازى
حضورك مع غيابك

تصبح لا مرئي
مثل نقطة
تسكن الهامش
عن سهوٍ
أسقطها الكاتب .


خيط .



بسم الله أبدأ وبه أستعين .

هنا سأفتح ثقبًا ضيقًا في هذا الصندوق , يطل على الحياة .
ومن الداخل أمد لكم خيط كلماتي وأقول : مرحبًا .