المسافات القصيرة، الهواء الذي نتشاطره، المطر الذي ينزف من غيمة، سماعة الهاتف، رسالة وقصيدة، صندوق بريد، أوراق مهترئة، حبر مسكوب على منضدة، وجهك العتيق كلوحة، صوتك الذي تتخلله بحة، يداي التي تذوب في دفء يديك .
تبًا .. كم من الأشياء بمقدورها أن تقرّبنا وتقصينا؟ تبًا! كيف لاألتقيك وجسد الأرض يجمعنا ، تبًا كيف لاأراك وغيمة واحدة تظللنا ، تبًا كيف لاأبكي على كتفك وأنت قريب ولايفصلنا سوى هواء المدينة القذر, وأبكي على الجدران البعيدة في نهاية الشارع الوحيد الذي لايعبره أحدٌ , مثلي . كيف أحبك أيها البارد والبليد كقطعة جليد تنزلق فوق وجه الأرض . آه، كيف أشتاق لعناقك! وأنت تدفن رأسك في صدر أخرى . وأنا هنا أفتش عن صدرك في الطرقات المكتظة بالأجساد، في حافلة تقل وجوها غريبة، في الأسواق القديمة، في مقاهي المدينة، ولاأجده . فأنام كل مساء على هيئة نعامة خائفة وأدفن رأسي في صدري المكتظ بالبكاء، فأغرق . وأقسم أن رائحتك هنا هنا متلصقة بجسدي منذ آخر عناق، فأستيقظ وجلة بعدما زرتني في حلم. برقبة متصلّبة كعامود أسمنت، معطوبة عن الحركة، وأبحث عن صدر أمي في وحشة الليل ،صدر أمي الذي لايغيب، أتوسّده وابكي، وهي تحاول بيأس أن تزيح هذا الأرق والتعب الذي يتكاثر فيّ كسنابل قمح في كل سنبلة مائة عناء وعناء ، تقرأ آية الكرسي بصوت متهدّج وتنفث بشفتيها على جسدي ، وأكاد أهمس بصوت ضئيل: ياأمي ،أنفثي على قلبي الذي يتفرع منه هذا التعب . وأنسى .
-من الارشيف-
لا تاريخ محدد ربما منذ عام .

