تمنيت
لو يتوقف العالم , ثانيةً واحدة . محض غمضة عين . يهدئ الصخب في الداخل والخارج ,
داخل هذا الرأس وخارجه . أن يتوقف سيل الأفكار والهواجس والمشاعر والمخاوف ,
وترتاح خلايا دماغي , ثانيةً واحدة فقط , تمنيت أن أصير ورقة شجر خفيفة , حياتي
قصيرة تبدأ ربيعًا وتنتهي بالخريف , حين أسقط بغير اختيارٍ من غصني , و يدفعني
الهواء بخفّة , أرقب العالم لآخر ثانية وأنا أتشقلب في الهواء وألوّح لأمي الشجرة
, صفراء حزينة , وينتهي بي المطاف أخيرًا على الرصيف , أو في باحة منزل
لسيدة عجوز وحيدة . تجرفني مكانس الأمهات عن الطريق , تحملني طفلة بيديها
الصغيرتين وتخبئني في جيبها , تلتقطني عدسة مصور عابر على الشارع . أصير صديقةً
للريح , تسافر بي لمدن عديدة , تعبر بي شوارع كثيرة , اصطدم بغير قصدٍ في زجاج
نوافذ السيارات , قد يشتمني أحدهم حين أحجب النافذة . قد أسقط في حقيبة امرأة تجلس
على الكرسي , وأتأمل بدهشةٍ اشيائها واتساع الحقيبة , قد اسقط في كوب شاي بارد و
منسيّ على الطاولة , أو على أرجوحةٍ قديمة . ثم يومًا ما أتحلل وأتلاشى تدريجيًا .
وتختفي كينونتي عن هذه الأرض , أصير عدمًا . لاأحد يذكرني , أو يعرف اسمي , عدا
أنني ورقة خريفيّة من بين كومة ورق . عدا أن أمي الشجرة هرمت وصارت تنسى أن تعد
ابنائها الذين رحلوا , حتى صرتُ رقمًا منسيًا .
والغصن الذي نشأت وعشت عليه عمرًا صار حطبًا للمواقد .